ابن ميثم البحراني
175
شرح نهج البلاغة
وفي بعض الممكنات ما هو كذلك كالزمان مثلا فإنّ كلّ عاقل يعلم بالضرورة وجود الزمان وإن خفيت حقيقته على جمهور الحكماء واضطربت عليه أقوال العلماء وكذلك العلم فليس إذن كلّ ظاهر غيره غير باطن ولا كلّ باطن غيره غير ظاهر . واللَّه أعلم . الحادي عشر : لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان . إلى قوله : منافر . أقول : إنّه تعالى لا يفعل لغرض ومتى كان كذلك كان منزّها عن خصوصيّات هذه الأغراض . أمّا الأوّل فبرهانه أنّه لو فعل لغرض لكان وجود ذلك الغرض وعدمه بالنسبة إليه تعالى إمّا أن يكونا على سواء ، أوليس . والأوّل باطل وإلَّا لكان حصول الغرض له ترجيحا من غير مرجّح ، والثاني باطل لأنّهما إذ ألم يستويا كان حصول الغرض أولى به فحينئذ يكون حصول ذلك الغرض معتبرا في كماله فيكون بدونه ناقصا تعالى اللَّه عن ذلك . لا يقال : ليست أولوّية الغرض بالنسبة إلى ذاته بل بالنسبة إلى العبد إذ غرضه الإحسان إلى الغير . لأنّا نقول : غرض إحسانه إلى الغير وعدمه إن كانا بالنسبة إليه على سواء عاد حديث الرجحان بلا مرجّح ، وإن كان أحدهما أولى به عاد حديث الكمال والنقصان . وإذا عرفت أنّه تعالى لا يفعل لغرض ، وكلّ ما ذكره عليه السّلام في هذا الفصل من تشديد سلطان وتقويته أو تخوّف عاقبة زمان أو استعانة على ندّ وشريك وضدّ أغراض علمت صدق قوله : إنّه لم يخلق شيئا من خلقه لشيء من هذه الأمور . وهذا تنزيه من طريق نفى الغرض المطلق . وأمّا تنزيهه تعالى عن خصوصيّات هذه الأغراض فلأنّ تشديد السلطان إنّما يحتاج إليه ذو النقصان في ملكه ، ولمّا كان تعالى هو الغنىّ المطلق في كلّ شيء عن كلّ شيء صدق أنّ ذلك بغرض له ممّا خلق ، وأمّا التخوّف عن عواقب الزمان فلأنّ التضرّر والانتفاع ولواحقهما من الخوف والرجاء ونحوهما إنّما هي من لواحق الممكنات القابلة للنقصان والكمال وما هو في معرض التغيّر والزوال ، ولمّا ثبت تنزيهه تعالى عن الانفعال عن شيء لم يتصوّر أن يكون أحد هذه الأمور غرضا له ، ولذلك الاستعانة على النّدو الضدّ والشريك فإنّ الاستعانة هي طلب العون من الغير وذلك من لوازم الضعف